حسن الأمين

314

مستدركات أعيان الشيعة

يتظنى من الكآبة أن يبدو لعيني مصبح أو ممسي مزعجا بالفراق عن انس ألف عز أو مرهقا بتطليق عرس عكست حظه الليالي وبات المشتري فيه وهو كوكب نحس مشمخر تعلو له شرفات رفعت في رؤوس رضوى وقدس لابسات من البياض فما تبصر فيها إلا غلائل برس ليس يدري أصنع انس لجن سكنوه أم صنع جن لأنس . . . فهذا الوصف يمثل لنا الفرق بين الوصف الجاهلي والوصف في شعر البحتري . انه أعمق تحسسا وأوغل في ضمير الأشياء إذ اعترى الأيوان وشخصه فإذا هو إنسان مكمد الوجه ، كأنه يعيش في مأساة البعد والبراح . ولا عجب أن يعتبرها البعض : أجل قصيدة في الشعر العربي وتعد بحق من آيات الشعر الخالدة . وان يقول ابن المعتز ليس للعرب سينية مثلها . ومما لا ريب فيه ان البحتري بغير « سينية » يرقى إلى مصاف فحول الشعراء ولكن سينيته زحزحت ذلك الحد الدقيق الذي يفصل بين الفحولة والعبقرية فأصبح يحمل لواء الشعر بعد الملك الضليل ! وللبحتري قصائد ومقطعات في وصف مظاهر الحضارة العباسية كالقصور ومنها « الجعفري » و « الصبيح » و « المليح » و « الفرد » و « الساج » و « الكامل » . فقد وصف الكامل في القصيدة التي مطلعها : لو كان يعتب هاجر في واصل أو يستقاد لمغرم من ذاهل وهو قصر بناه المعتز . ويصف قصر الجعفري الذي بناه المتوكل في قصيدة مطلعها . ان الطباء غداة سفح محجر هيجن حر جوى وفرط تذكر كما وصف مجالس المسرات التي عرفتها الحياة العباسية كما في القصيدة التي مطلعها : هل فيكم من واقف متفرس يعدي على نظر الظباء الأنس وأولع البحتري بوصف مظاهر الطبيعة وجمالاتها وربما كانت أبياته في وصف الربيع التي جاءت في قصيدته التي مطلعها : أكان الصبا إلا خيالا مسلما أقام كرجع الطرف ثم تصرما ربما كانت هذه الأبيات أفضل ما يمثل طول باع الشاعر في هذا المجال . كما اشتهر البحتري بوصف المعارك والخيل وتصوير البحتري للحلبة والخيول والفرسان والمدربين والمشاهدين تصوير يتسم بالرقة والدقة والشمول معا . ونجد وصفا للفرس يجمع بين الدقة والرقة للفرس في قصيدته التي مطلعها : طفقت تلوم ولات حين ملامه لا عند كبرته ولا احجامه وكان البحتري وصافا قديرا للحرب في البر والبحر ولأدواتها من سيوف ورماح . وخلاصة القول إن البحتري ألم بنوعين من الوصف الوصف النقلي التقريري والوصف الوجداني الذي يتجاوز حدود الأشياء ومظاهرها . إلا أن هذين النوعين لا يصفوان لديه فهو في النقلي ليس جاهليا كما أنه في الوجداني لا يعرف الحلولية . ففي الأول نشهد لديه من الترابط والتماسك ما لم نكن نشهده في الشعر الجاهلي . وفي الثاني نراه يفترض افتراضا ويتظنى تظنينا . . وهكذا فان شعر البحتري في الوصف هو كثقافته عامة ليس بدويا ولا حضريا يترجح في منزلة بين المنزلتين لا يبلغ وجدانية ابن الرومي كما لا يرسف في مادية امرئ القيس المسرفة . الفخر توفر للبحتري عاملان رئيسيان هيئا له التالق وطول الباع في الفخر . أولهما انتماؤه الثابت إلى واحدة من أعظم القبائل العربية وهي طيئ وثانيهما انه كان أعظم شعراء عصره دون منازع أو هو على الأقل واحدا من أبرز شعراء عصره . على ذلك يمكننا القول بان عناصر الفخر عند البحتري هي تعداد أمجاد قومه والتغني بمناقبهم وبشرف اليمن موطنهم وكذلك الإدلال بعزته الشخصية المستمدة من أصوله الراسخة ومن موهبته الفنية المتفوقة وهي عناصر وجد البحتري من قوة الحقيقة فيها ومن قدرة الفنان في موهبته ما مكنه من صياغتها على وجه رائع في أشعار فخره . وقد اشتهر للبحتري قصيدتان فرغ تماما في كلتيهما للفخر . مطلع الأولى : إنما الغي أن يكون رشيدا فانقصا من ملامه أو فزيدا ومطلع الثانية : أحبب إلي بطيف سعدي الآتي وطروقه في أعجب الأوقات والطابع الغالب على فخر البحتري في قصيدته الأولى هو فخره بقومه بينما يغلب على القصيدة الثانية فخره بنفسه وبما حققه من مجد أدبي واجتماعي رفيع تمثل في منادمته للملوك ونفوذه ومكانته عندهم وشفاعته في جلائل الأمور لديهم . هذا الفخر بالنفس والاعتداد بقيمة الشاعر نجده أقوى نفسا وأعلى ايقاعا من الفخر القبلي بقومه . كما نجد أبياتا في الفخر مبثوثة في حنايا قصائده كما في تلك القصيدة التي سبق وأشرنا إليها في وصف معركته مع الذئب حيث يفتخر بما يحمل بين جنبيه من قوة الشكيمة وما توافر لديه من شجاعة نادرة وقدرة على القتال فذة . والبحتري في موضوع الفخر ولم يخرج على المعاني المتداولة في التراث الشعري العربي وان كان قد طبع هذه المعاني بطابع أسلوبه المميز . العتاب كان للبحتري منافسون وحساد وذلك أمر طبيعي لشاعر نال حظوة مميزة عند الحكام والأعيان . وكان يتدارك وقائع هؤلاء في شعره الاستعطافي الذي كان يجيده على ما يبدو حتى عد أستاذا فيه . فالروح السائدة في عتابه هي روح الرقة التي تجعل هذا العتاب مقبولا لدى النفس محببا إليها . يصف هو عتابه بقوله :